محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
786
تفسير التابعين
كان السلف يرون متابعة الصحابة والتابعين ، الذين لم يختلفوا في مسائل الأسماء والصفات ، وإنما وقع الخلاف بينهم في الأحكام والعبادات ، ولذا كثرت الأسئلة في هذا الباب عنه في باب الأسماء والصفات « 1 » . ويخطئ بعض من يتوهم أن السلف لم يتكلموا في الاعتقاد وإنما كانوا يفوضون ذلك ، وهذه مقولة من لم يعرف السلف وعلمهم ، فإن القوم ما تكلموا فيما تكلموا فيه إلا عن اجتهاد ، وما سكتوا عما سكتوا عنه إلا عن علم ، ولكن لم تكن البدع قد فشت ، فكلما ظهرت بدعة ، تصدى العلماء للرد عليها ، ومن أراد التأكد من ذلك فلينظر إلى تلاميذ التابعين ومن بعدهم ، وموقفهم من الجهمية لما ظهرت في زمانهم ، وكيف كان اشتدادهم عليهم ، حتى قال ابن المبارك عنهم : إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى ، ولا نحكي أقوال الجهمية - وجعلهم ليسوا من أئمة محمد من الثنتين والسبعين فرقة . فالمقصود أن السلف ما توقفوا عن الخوض إلا عن علم « 2 » وما زال أهل الحديث والأثر يرون متابعة الصحابة والتابعين في هذا الباب ؛ لأنهم كما يقول ابن خلدون في مقدمته : غلّبوا أدلة التنزيه لكثرتها ، ووضوح دلالتها ، وعلموا استحالة التشبيه ، وقضوا بأن الآيات من كلام اللّه فآمنوا بها ، ولم يتعرضوا لمعناها ببحث « 3 » ولا تأويل . وهذا كلام سديد باعتبار أن السلف لم يبحثوا في الكيفية ، ولم يصرفوا المعنى الظاهر من الآيات عن ظاهره ، مع اعتقادهم التنزيه . فها هو سعيد بن جبير يبين معاني التنزيه في قوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ « 4 » فيقول :
--> ( 1 ) يراجع كلام المقريزي في الخطط ( 4 / 180 - 181 ) . ( 2 ) يراجع في ذلك مقدمة كتاب مختصر العلو للشيخ الألباني ( 103 ) . ( 3 ) التعرض بالبحث للمعني هو تعرض للكيفية ، وإلا فالسلف كانوا يثبتون المعاني كما سيأتي . ( 4 ) سورة الصمد : آية ( 1 ) .